عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

223

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

فصل في خاتمة الكتاب قال اللّه تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصّلت : 53 ] [ نور القدم ] اعلم أن اللّه تعالى في تحقيق قوله « 1 » : « كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف بهم » ، لما خلق الخلق ، أي أرواح الخلق خلقهم في ظلمة الخلقية ثم رش عليهم من نوره ، أي من نور القدم ، فمن أصابه ذلك النور ، فقد اهتدى ، أي اهتدى بنور القدم إلى ذات القديم وصولا ومعرفة لذاته وصفاته ، وهم المجذوبون المقبولون من أهل العناية ، ومن أخطأه أي لم يصبه نور القدم فقد ضل ، أي عن طريق الوصول إلى اللّه تعالى ومعرفته ، وضل في شجرة المخلوقات عن أن يكون ثمرة ، كما يقال ضل الماء في اللبن ، وهم المخذولون المردودون من أهل الشقاوة . ثم اعلم أن العالم شجرة ثمرتها الإنسان وبذرها روح النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - بقوله : « أول ما خلق اللّه روحي » « 2 » . وهو الروح المشرف بشرف إضافة من روحي ولهذا قال - صلّى اللّه عليه وسلم - : « أنا من اللّه والمؤمنون مني » « 3 » . لأنهم خلقوا من بذر روحه ، كالثمار على الشجرة كما خلقت الشجرة منه كما مر شرحه ، وكما أن في البذر نفس النبات معبأة لتنمو بها الشجرة فكذلك في بذر الروح النبوي . الملكوت معبأ لتنمو به شجرة العالم ولما كانت أجزاء البذر متساوية في الجنسية على طبيعة واحدة ، وهي إما السكون أو الحركة ، فإن كانت طبيعتها السكون فإنا نشاهدها متحركة عند النشوء والنمو فلا بد من محرك ، وإن كانت طبيعتها الحركة فينبغي أن تكون الحركة الطبيعة من نوع واحد ، إما إلى علو ، أو إلى أسفل ، فلما وجدنا بعض أجزاء البذر يتحرك إلى العلو وبعضها يتحرك إلى السفل علمنا أنه لا بد له من محرك فاعل مختار قادر عليم حكيم يدبر أمر البذر على قانون الحكمة البالغة الأزلية ، لتصير شجرة كاملة مثمرة ذات عروق

--> ( 1 ) أي في الحديث القدسي . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 3 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء حديث رقم ( 619 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .